top of page
  • صورة الكاتببثينة اليوسف

فطور على السرير ينقلب رأساً على عقب!

تاريخ التحديث: ٢٦ يناير



كنت جالسة على الأريكة و يداي مشغولتان، يد تمسك رأس طفلتي التي ترضع مني وجبتها الثالثة في خلال ساعتين، و يد تتحسس ثقب على مسند الأريكة، متى ثقبت هذه الرديئة؟


و فيما انا غارقة في افكاري، قطعها علي اطلالة زوجي من خلف الباب و على وجهه ابتسامة طفولية، دخل بسرعة و هو يخبيء شيئاً وراء ظهره، قال لي "غمضي عيونك!"، اغلقت عيناي على مضض و قلت له "هات وش عندك!"


وضع امام وجهي ورقة فيها تفاصيل حجز سكن لمدة يوم واحد، نظرت اليه بدهشة و قلت "احتاج تفسيراً يا حبيبي" رد و الحماس يشع من عينيه "انتي مدعوة لرحلة في الطبيعة، و ستسكنين في كوخ احلامك المطل على نهر الفاج، الرحلة لك وحدك، ستحصلين على العزلة المرفهة التي طالما حلمتي بها!"

نظرت الى طفلتي النائمة في حضني، و اخوتها الثلاثة الجالسين بصمت و تركيز امام التلفاز يشاهدون رسوماً متحركة، قلت له "و ماذا سأفعل بهؤلاء؟"، رد بلا تردد "دعيهم وشأنهم، انا سأعتني بهم، اذهبي انتي و رفهي عن نفسك".

احتضنني بكل هدوء، ابعدته و قلت"كيف دبرت مبلغ استئجار هذا الكوخ؟ أولسنا في تقشف هذه الأيام؟ ما الذي دهاك!" ، رد و قد استبدل ابتسامته بزمة لشفاهه الغليظة "قد لا يعجبك ما فعلت، و لكن هذه هديتي لك بمناسبة ولادتك، لا احب ان اراكِ حزينة هكذا، لا يهم المال، فقد حجزت هذا الكوخ بسعر زهيد و لكن مبلغ التأمين على الكوخ كان عالياً جداً،دفعت ما جمعته لسداد ايجار منزلنا الشهر القادم حتى ادفع قيمة التأمين" غطى وجهه بيديه عندما ادرك انه قال ما لا يجب ان يقوله عن هدية " لا يهم لا يهم، سيرجعون هذا المبلغ بالتأكيد و سنكون في أمان، لا تقلقي"

 

وصلت الى الكوخ بعد غروب الشمس،لم استطع ان اتبين شكله الخارجي جيداً، دفعت الباب الثقيل ببطء محاولة ألا اضغط على جرح ولادتي القصيرية الطازج، اختلست النظر الى الداخل، مددت يدي و ضغطت على مكبس الإضاءة و هالني ما رأيت!

انه بالضبط مثلما تخيلته و تمنيته، الكوخ الخشبي ذو الباب الأزرق، مدخله مزين باللوح البيضاء و الزرقاء على الطراز الشاطئي العريق الذي يوحي بالثراء، دخلت مسرعة و انا اسحب حقيبتي خلفي لألقي نظرة على المطبخ، شهقت بسعادة عندما رأيت طاولة "الجزيرة" الواقعة في منتصف المطبخ تزينها علبة السكاكين الحادة و أُصص فيها اعشاب و فطر و صبار.

سحبت حقيبتي و جلست على الأرض، اخرجت منها علب الأكل التي احضرتها للطبخ، اجبان و زيتون و زعتر و طبق بيض و كيسة خبز باغيت و فواكة و خضار منوعة، فأنا مستعدة لتحضير إفطاري هنا غداً صباحاً.

 

فتحت عيناي المرهقتان بعد ساعات من قيادة السيارة في الطريق الوعر لأصل الى هذا الكوخ، و اسعدني اني وجدت نفسي على السرير الوثير الناصع البياض، وقعت عيناي على الساعة، انها الثامنة صباحاً!

نهضت بسرعة حتى استغل الوقت قبل موعد الخروج من الكوخ، و بدون ان افكر، ركضت الى الحمام استعداداً ليوم حافل بالإستجمام، تحممت و لففت شعري المبلول بمنشفة بيضاء وجدتها على الرف بجانب حوض الإستحمام ثم خرجت منتعشة لأحضر فطوري السريري الفاخر!

استخدمت كل ما احضرته معي من طعام، لكن شعرت ان شيئاً ما ينقص هذا الطبق، اخذت نظرة سريعة على ما حولي و رأيت البقدونس و النعناع المزروعان في أصص صغيرة، قطفت بعض من وريقاتهما و اضفتها الى طبقي، لفت نظري الفطر المزروع بجانبهما، لم اكن اعلم ان الفطر يمكن ان يزرع في إصيص كالأعشاب، حاولت ان اسحب حبتي فطر من التربة، لكن تسع حبات من الفطر بدون جذور خرجن من التربة، رفعته الى انفي و شممته، يبدو ناضجاً و صالحاً للأكل، غسلته تحت ماء الصنبور و رميته في طبقي. اتجهت الى السرير حاملة معي طبق شطيرة البيض بالفطر و كأس الشاي بالحليب.

 

وضعت طبقي الفارغ على الطاولة الجانبية، اسندت رأسي على ظهر السرير و اغمضت عيناي و اخذت رشفة كبيرة من الشاي الذي اصبح بارداً، احس بدوار من السعادة، أهذا فعلاً ما كنت احتاجه لأكون سعيدة؟ افطار على السرير في كوخ لونه ازرق و أبيض؟

قاطع افكاري صوت قرقعة قوية تحت السرير، وثبت من مكاني، تبع القرقعة صوت خطوات و ضحكات اطفال صغيرة، ثم صرخ صوت عالٍ: انتظمووووا انتظموووا !!

ركضت الى الشباك لأرى مصدر الصوت، لم ارى سوى اشجار الغابة المحيطة بالكوخ، عاد الصوت من جديد اكثر وضوحاً هذه المرة "نعم نعم، بالطابور، واحداُ تلو الاخر" ، الصوت قادم من تحت السرير، انا متأكدة من ذلك!

جثوت على ركبتي و رفعت غطاء السرير، كان هناك العشرات من الفئران الصغيرة يتقدمهم فأرين كبيرين، احدهما يلبس فستاناً، التفتت علي ذات الفستان و قالت "من انتِ؟" قلت لها "من هي انتِ؟! و كيف لفأرة ان تتكلم!!"

قال الفأر الاخر "ما الذي جاء بك الى هذا المكان؟"

رددت بذهول "انتم ما الذي جاء بكم الى هذا المكان؟؟ يجب ان تخرجوا حالاً!!"

قالت الفأرة بكل عنجهية " و لمَ نخرج؟ هذا بيتنا! انتِ التي يجب ان تخرج فوراً لعدم تهذيبك و سلاطة لسانك!"

نهضت بغضب، تمسكت بطرف السرير محاولة السيطرة على دوار لف رأسي، ذهبت مسرعة ابحث عن اي شيء ثقيل ارمي به تلك الفئران الوقحة!

اخذت اصيص النعناع و البقدونس من المطبخ، ركضت مسرعة للغرفة، رفعت الغطاء و رميته عليهم، سمعت اصوات صراخ و عويل.

توالت الرميات كالصواريخ، بيض و ملاعق و شوك و كاسات، و الصراخ يعلو و يعلو، احضرت لهم الضربة القاضية، انبوبة اطفاء الحريق ، سحبت صمام الأمان و ضغطت على المكبس و انا اقهقه بسعادة!

 

استيقظت على صوت هاتفي المتنقل، زوجي يقول لي ان صاحب الكوخ اتصل عليه و قال له انه جاء بحسب موعد خروجي من الكوخ، و وجد امرأة نائمة على الأرض بجانب جبل من الإوساخ تحت السرير و فوقه، و مادة إطفاء الحرائق منتشرة على الجدران، و بسبب تلك الفوضى لن يرجع لنا التأمين، و لأن الضرار جسيمة سيتم رفع مخالفات علينا !

قال زوجي و صوته يتهدج "ما الذي فعلته يا امرأة! ما الذي فعلته؟"

هممت ان اسرد عليه انتقامي من الفئران، قاطع حديثي تجشؤ بطعم الفطر النتن، تلاه ظهور تلك الفأرة ذات الفستان من تحت مفرش السرير، ابتسمت في وجهي بخبث، ثم دخلت !



النهاية!

٤٣ مشاهدة

أحدث المقالات

للاشترك في النشرة البريدية

للإشترك في النشرة البريدية

bottom of page